ابن قيم الجوزية

39

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان ، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد . وهما الرياء ، والكبر . فدواء الرياء ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] ودواء الكبر ب وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] تدفع الرياء وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] تدفع الكبرياء . فإذا عوفي من مرض الرياء ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] ومن مرض الكبرياء والعجب ب وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] ومن مرض الضلال والجهل ب اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] عوفي من أمراضه وأسقامه ، ورفل في أثواب العافية ، وتمت عليه النعمة . وكان من المنعم عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] وهم أهل فساد القصد ، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه و الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 7 ] وهم أهل فساد العلم ، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه . وحقّ لسورة تشتمل على هذين الشفاءين : أن يستشفى بها من كل مرض ، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين ، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى ، كما سنبينه . فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن اللّه وكلامه ، وفهمت عنه فهما خاصا ، اختصها به ، من معاني هذه السورة . وسنبين إن شاء اللّه تعالى تضمنها للرد على جميع أهل البدع بأوضح البيان وأحسن الطرق . وأما تضمنها لشفاء الأبدان : فنذكر منه ما جاءت به السنة ، وما شهدت به قواعد الطب ، ودلت عليه التجربة . فأما ما دلت عليه السنة : ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري « أن ناسا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم مروا بحيّ من العرب . فلم يقروهم ، ولم يضيّفوهم . فلدغ سيد الحيّ . فأتوهم . فقالوا : هل عندكم من رقية ، أو هل فيكم من راق ؟ فقالوا : نعم ، ولكنكم لم تقرونا . فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا ، فجعلوا لهم على ذلك قطيعا من الغنم ، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب . فقام كأن لم يكن به قلبة . فقلنا : لا تعجلوا حتى نأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم . فأتيناه ، فذكرنا له ذلك . فقال : ما يدريك أنها رقية ؟ كلوا ، واضربوا لي معكم بسهم » . فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه . فأغنته عن الدواء . وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء « 1 » . هذا مع كون المحل غير قابل ، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين ، أو أهل بخل ولؤم . فكيف إذا كان المحل قابلا . وأما شهادة قواعد الطب بذلك : فاعلم أن اللدغة تكون من ذوات الحمات والسموم . وهي

--> ( 1 ) لم نجد في الروايات الصحيحة أن أحدا من الصحابة - لا في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا بعده - فعل مثل ذلك مرة ثانية . ولعله - واللّه أعلم - كان هذا الحادث صنع اللّه لأولئك الصحابة الذين كانوا في حاجة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ومنعهم أهل الحي حقهم من الضيافة ، مع جوعهم وشدة حاجتهم ، فسلط اللّه الحشرة على رئيسهم فلدغته ، ليستخرج لهم بتلك اللدغة والرقية حقهم .